النور الربانى والسر الصمدانى
اهلا وسهلا ومرحبا تشرفنا بك ويسعدنا ويشرفنا التسجيل معنا فى منتدى النور الربانى والسر الصمدانى

النور الربانى والسر الصمدانى

اهل السنه والجماعه شعارنا محمديه سلفيه صوفيه ادعيه وقصص التابعين وصيغ فى الصلاة على النبى و روحانيات واخبار عن المجتمع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من اصابه هم أو حزن فليدع بهذه الكلمات :اللهم أنا عبدك ابن عبدك ابن امتك .. فى قبضتك ناصيتى بيدك .. ماضى فى حكمك .. عدل فى قضاؤك . أسالك بكل اسم هو لك .. سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرأن .. نور صدرى .. وربيع قلبى وجلاء حزنى وذهاب همى ))
center"

شاطر | 
 

 روحانيات الحـــــــــــــــج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ حيدر رمضان

avatar

عدد المساهمات : 1404
نقاط : 4104
تاريخ التسجيل : 03/06/2011
العمر : 56
الموقع : الآليه ـــ غرب النوبارية ـــ جمهورية مصر العربية(http://ahbabelnaby.ahlamontada.com/)

مُساهمةموضوع: روحانيات الحـــــــــــــــج   الخميس أكتوبر 27, 2011 10:10 pm


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه .

اللهم اجعل عملنا كله صالحاً خالصاً متقبلاً ، ولا تجعل للشيطان في عملنا حظاً ولا نصيباً ووفقنا لما تحب وترضى ، وارزقنا خير الآخرة والأولى .

أيها الإخوة الكرام ، أيتها الأخوات الكريمات ، حجاج بيت الله ، الذين أنابوا إلى ربِّهم ، واستجابوا لنداء الخليل إبراهيم حين أذَّن بأمر ربه في الناس بالحج ، وانطلقوا من ديارهم ، وتخلصوا من معوقات الدنيا ، وهرعوا إلى الله وحده ، بعد أن تلقوا الدعوة منه ، دعوة آثرهم الله بها ، وألقاها إلى قلوبهم وأفئدتهم ، فتحركوا شوقًا ومحبة واستجابةً لأمر الله ، فانبعثوا ملبين دعوة خالقهم وسيدهم : لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعــــد ؛

فهذا هو موسم الحج قد أظلنا بظلال الأمن والأمان من الأرض المباركة التي أهدت إلى العالم أعظم رسالة وأصدق راية ، وفيها تَعْذُبُ المناجاة ، وتحلو الطاعة ، ويسري نور الإيمان بين الجوانح ، ويشعر المسلم أنه فوق عالَم البشر ، يجنح مع الملائكة الكرام ؛ فالذنب مغفور ، والسعي مشكور ، وكل خطوة يخطوها الحاج تكتب له ملائكة الرحمة بها حسنة ، وتضع عنه بها سيئة .

أيها الحجاج الكرام ، هاأنتم تلبّون راجين ، وتسعون محبين وطائعين ، وتطوفون مذعنين ومشتاقين ، وترمون مهللين وتصعدون مكبرين ؛ فيجيب القوي القادر كلاً منكم : لبيك عبدي وسعديك والخير بين يديك .

إخواني الكرام ، إن الحج تهذيب للنفس ، وتطهير للقلب ، وغسل لأدران الشر ، وهو تلاقٍ اجتماعي ، وتعارف إسلامي ، واجتماع للنفوس المؤمنة على مودة ورحمة وروحانية في ظل البيت المقدس ، وفي الأماكن المطهرة .

فلنتجول معاً أحبتي الكرام مع روحانية الحج في سائر أعماله ، آملين في وجه الله الكريم أن يجعلنا من المقبولين :

أولاً : الاستعداد للحج : وذلك بالتوبة النصوح ، وتجديد النية والإخلاص لله رب العالمين ، فكل ذنب أو مظلمة هي غريم حاضر متعلق بتلابيب قاصد الحج ، ينادي عليه ويقول: إلى أين تتوجه ؟ أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره في منزلك هذا ومستهين به ومهمل له ؟ أَوَلا تستحيي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك ؟ فإن كنتَ راغبًا في قبول زيارتك فنفّذ أوامره ، وردّ المظالم وتبْ إليه أولاً من جميع المعاصي ، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون متوجهًا إليه بوجه قلبك ، كما أنك متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك . فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولاً إلا النصب والشقاء وآخراً إلا الطرد والرد . ومن ذا الذي يرضى لنفسه بهذا الخسران ! جعلنا الله وإياكم من التائبين المقبولين الفائزين .

ثانياً : الإحرام :

إن الروحانية تبتدأ فتسيطر على مشاعر وأحاسيس مريد الحج عندما يبتدأ بالإحرام ، إذ ينوي الحج في ميقاته ، وميقات الحج هو المكان الذي يُحرِم منه ، ويلبس ثياب الإحرام فيه ، وكل بلد له ميقات ، أي مكان معلوم ، وكأن هذه الأماكن التي تحيط بالحرم المقدس إحاطة هالة الشمس بها هي حدود بين متاع الدنيا وأعراضها ؛ وحياة الروح ونعيمها ، فهي حدود للمكان الذي جعله الله تعالى لضيافته الروحية ، يستضيف فيه عباده المؤمنين الذين جاءوا إليه من مشارق الأرض ومغاربها ، نازعين من قلوبهم وأجسامهم كل مظاهر المادية ليتجردوا بأرواحهم وينالوا شرف الضيافة على تلك المائدة الربانية ؛ وذلك الغذاء الروحي .

إن عبارات النبي في نيته الإحرام ، تعلمنا كيف نتخلص من أهواء الدنيا ، والطبائع الأرضية في نفوسنا ، لنتعلق بأسباب السماء ، فقد كان يقول في إحرامه : ( اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة ) ، ويقول : ( لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً ) ويكرر ذلك ؛ لنتعلم منه كيف نخلص أنفسنا من الرياء والسمعة . والرياء آفة العبادة ، وهو الذي يبعدها عن الدرجات العالية في الروحانية ، وهو في ذاته الشرك الخفي ، ولذا قال ( من صلى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي فقد أشرك ).

بهذا الإحرام يدخل المؤمن في محيط الرُّوح ، وفي متسع الضيافة ، ولذلك وجب عليه أن يعلن أنه قد دخل في هذا الوادي المقدس ، وادي الرُّوح ، وادي الضيافة الإلهية ، ولذلك يقول: لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .

بهذا النداء الذي هو إعلان الحج ، أو مظهر الروحانية فيه ، يكون الشخص قد دخل في مقام الضيافة ، وانتقل من دركات الأرض إلى المنازل الرُّوحية ، وكأنه بحجه قد أجاب داعي الله تعالى إذ دعاه إلى تلك المائدة المقدسة ؛ وإنه ليكرر تلك التلبية في كل مرتفع وكل منخفض ؛ ليكون في تذكر دائم ، ولكيلا ينسى أنه في الحضرة الإلهية ، وفي الضيافة الرحمانية.

إخواني الأحبة ، ينبغي أن يتذكر الحاج أنه إذ يحل في تلك الضيافة الرُّوحية فإنه يجب أن يترك مظاهر الزينة وما اختصت به الحياة الأرضية ؛ فلا يتطيب ولا يتزين ولا يقص شعره ولا يحلقه ، وذلك لأنه في حال تجرد رُوحي ؛ فلا يصح أن يُشغَل عنه بمظاهر مادية ؛ ولأن حياة الرُّوح توجب المساواة ؛ إذ الجميع سواء أمام عظمة الخالق ، ولا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لقوي على ضعيف ، ولا لغني على فقير .

كما ينبغي أن يتذكر بملابس الإحرام كفنه الذي يلقى به ربه الكريم ، وما أشبه الثوبين والرحلتين ، إلا أن الرحلة اليوم هي رحلة للعمل ، وهي غداً رحلة لنيل ثواب العمل ، وعلى قدر الصدق والإخلاص في الرحلة الأولى يكون الأجر المدخر في الرحلة الأخرى . الرحلة اليوم هي إجابة طوعية لنداء الخليل حين أذَّن في الناس بالحج كما أمره ربه ، أما غداً فهي استجابة قهرية لنداء إسرافيل حين ينفخ في الصور .

نسأل الله أن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين .

ثالثاً : عند الوصول إلى مكة :

إن الحاج ليرى في طرقات البلد الحرام في هذه الأيام عجبًا ، فحيثما قلبت ناظريك في أرجاء البلد الحرام رأيت ثَمَّ موكبًا من مواكب الله ، وقافلة من قوافل الإيمان ، وجيشًا من جيوش الحق ، وجندًا من جنود اليقين ، هديرهم تكبير ، وهتافهم تسبيح ، ونداؤهم تلبية ، ودعاؤهم تهليل ، مشيهم عبادة ، وزحفهم صلاة ، وسفرهم هجرة إلى ربهم ، وغايتهم مغفرة من الله ورضوان ، تراهم في حشدهم صورة متكاملة متناسقة في إطار نوراني على اختلاف الأجناس ، وتباين اللغات وتغاير الأوطان .

اجتمعوا على كلمة الله تعالى ، والْتأموا في بيت الله ، والتحموا أمام الله في رحمة وعطف وحنان ، شعار كل فرد منهم  وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين  مظهرهم كأنهم بنيان مرصوص ، تركوا البلاد والديار والأهل والأولاد ، والتجارة والأعمال ، لم تسُقهم قوة قاهرة ، ولم تجبرهم قوانين دنيوية ، بل جاءوا مندفعين بدافع من أعماقهم ، منبثق من وجدانهم ، نابع من فيض إيمانهم ومعين يقينهم ، قطعوا الفيافي والقفار ، واجتازوا الجبال والوديان ، وعبروا البحار والأنهار ، وطاروا على متن الهواء ، قاصدين بيت الله الحرام ، يعيشون في رحابه ، وينعمون بقدسيته ، متشرفين بضيافته ، متلمسين لرحمته ، مستهدفين المغفرة ، مستمطرين الرضوان ، كما قال ربهم:  وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.

وإذا كنتم معاشر الأحبة تحجون إلى حرم الله الآمن ؛ فلتتفكروا في منازل الوحي ومدارك النبوة والعهد الأول للإسلام ، ولتذكروا كيف كان صبره في الشديدة ، وكيف كان دفعه للمكيدة ، وكيف كان قويًّا في إيمانه ، وهو الذي لم يكن له ناصر إلا الله بين قوم توافرت لديهم أساب الغلب المادي .

وفي ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فيعرف كيف يكون الاعتزاز بالله عندما تتكاثر عليه الأعداء ، ويتضافر عليه الأقوياء ، وتكثر الضراء وتقل السراء ، وتزلزل القلوب إلا مَن عصم ربك .

نسأل الله العظيم أن يبلغنا حرمه الآمن أعزة مطمئنين ، وأن يكتب لنا الأمن في الدنيا ويوم الدين .

رابعاً : في البيت الحرام :

البيت الحرام هو بيت العز والشرف ، بيت المجد والكرم ، بيت الرجاء والأمل. واحة الضال ، وهداية التائه ، وملجأ القاصد ، وملاذ الخائف ، ومقام الطائف والعاكف ، مَن دخله كان آمنًا . في جنباته الطهر والنقاء ، وعلى أبوابه البذل والعطاء ، وبين أركانه الجود والسخاء . فالأجر مضاعف ، والجزاء موفور ، والذنب مغفور ، والسعي مشكور. عند رب لا تُغلق رحابه ، ولا تُسد أبوابه ، لا يخيب سائلاً ، ولا يرد طالبًا . فهو الحليم الذي لا يعجل ، والكريم الذي لا يبخل ، وفي ميدان هذا البيت يتجلى الدين في أروع صورة وأبدع مظهر. جموع تطوف وتطوف ، وفئات تصعد وتنحدر بين الصفا والمروة.

لتتذكر أيها الحاج عندما تصل إلى البيت الحرام أنك قد انتهيت إلى حرم الله تعالى آمنًا ، ولتَرْجُ عنده أن تأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل ، ولتخش أن لا تكون أهلاً للقرب فتكون بدخوله الحرم خائباً ومستحقاً للمقت . وليكن رجاؤك في جميع الأوقات غالبًا ، فالكرم عميم ، والرب رحيم ، وشرف البيت عظيم ، وحق الزائر مَرْعِيّ ، وذمام المستجير اللائذ غير مضيع .

خامسا : الطواف :

الطواف بالبيت مدرسة إيمانية من خلالها نتعلم النظام ، ونتدرب على التعاون وإنكار الذات ، ونتلقى دروسًا عملية في الآداب والمروءة والحب والعطف والحنان ، ونؤمن بأن التوجيه الديني أسمى من أي توجيه ؛ فأي توجيه تكون له مثل هذه الفعالية ؟ إن الجيوش تحتاج إلى ربط وإحكام ، وضبط ودقة ، بعد تدريب متواصل ، وإشراف حازم ، إلا أننا نرى الحجيج - على كثرتهم واختلاف أجناسهم وتباين لغاتهم - يسيرون في اتجاه واحد ، وارتباط وتآزر ، ووحدة وتكاتف . ووسط التلبية الهادرة ، والأصوات العالية ، إذا أذن المؤذن سمعوا الأذان ، ولبوا النداء ، فإذا بالجميع وقوف وكأن على رؤوسهم الطير ، لا تسمع حينئذ إلا همسًا ، ولا ترى إلا أجسامًا منظومة ، وأقدامًا مصفوفة . إذا ركع إمامهم ركعوا ، وإذا سجد سجدوا ، وإذا قرأ أنصتوا ، وإذا دعا أمّنوا .

إنها صورة من صور الجمال ، من الحسن والجلال ، ومشهد من مشاهد الكمال . فلتأتِ الدنيا كلها لتطل على هذا المنظر البديع المتناسق ، وليشهد الوجود كله بأن الإسلام هو دين النظام ، ودين التضامن ، ودين الألفة ، ودين الحياة ، وصدق الله العظيم  إن هذه أمتكم أمة واحدة

ولتعلم أيها الطائف الكريم أن الطواف صلاة فأحضرْ في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما يليق به . واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله . ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت فحسب ، بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت ، حتى لا تبتدي الذكر إلا منه ، ولا تختم إلا به ، كما تبتدي الطواف من البيت وتختم بالبيت .

إذا كان الأمر كذلك فليكن التواضعُ شعارَك والإخباتُ رداءَك ، والرفقُ بالناس خُلُقَك ، ولتكن أحرص الناس على خفض الجناح للمؤمنين ، واحتمال الأذى من الطائفين ، وعدم إيذاء المسلمين ، وعدم الدفع بالمناكب أو الأيدي أو الأرجل للناس من حولك ، وحماية الضعيف والكبير والمريض ، والتحرز من الاحتكاك ، أو شغل البصر بمتابعة الطائفات من النساء . واجعل ديدنك في الطواف الذكرَ والقرآنَ والدعاءَ لنفسك ولأهلك ولإخوانك وللمسلمين والمسلمات ، ولا تنس أن تلح في الدعاء لأمتك المكلومة ، ولإخوانك المضطهدين في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن تسأل الله النصر لإخوانك المجاهدين في سائر بلاد المسلمين .

فإذا وصلت إلى الركن اليماني فادع بما كان النبي يدعو به ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ).

سادساً : السعي بين الصفا والمروة :

من خلال السعي بين الصفا والمروة يستشعر الحجاج معنى التضحية والجهد . هذا الجهد الذي قاسته السيدة هاجر من أجل شربة ماء تروي غلة طفل رضيع أنهكه الجوع وأرهقه الظمأ . امرأة وحيدة وسط الجبال الشاهقة وبطون الوديان السحيقة تهرول هنا وهناك ، في صعود وانحدار ، وحيرة واضطراب ، يمزق أحشاءها أنين ولد عليل ، جف ريقه ، وجمد لسانه اللاهث من شدة العطش ، فإذا ما اشتد الخطب ، وادلهمّ الأمر ، تجلت رحمة الله كالنور في الظلمة ، كالأمل الباسم وسط اليأس الحالك ، فتفجر الماء سلسًا ، وانساب عذبًا دافقًا. إنه بئر زمزم الميمون المبارك ، النبع الطاهر ، الرحيق الحلو ، الدواء الشافي ؛ ليعرف الناس أن الله تعالى لا ينسى أولياءه ، وأن الفرج بعد الضيق ، وأن مع العسر يسرًا ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ).

إنه درس في الرضا والتسليم لأمر الله ، والثقة الكاملة بوعده ، واليقين التام بقدرته ، والاطمئنان الكامل إلى حكمته ورحمته والإيمان المطلق بأنه لا يتخلى عن المؤمنين من أهل طاعته ومحبته .

ولتتذكر أيها الساعي الكريم عند ترددك بين الصفا والمروة ترددك بين كفتي الميزان في عرصات القيامة ، ناظراً إلى الرجحان والنقصان ، متردداً بين العذاب والغفران .

نسأل الله أن يكتب لنا القبول والرضوان ، إنه على كل شيء قدير .

سابعاً : الوقوف بعرفات :

وفي الموكب الإلهي ، وفي الركب الروحاني ، وفي مسيرة الإيمان ، تتوجهون إخواني وأخواتي الحجاج بين الزحام المتكاثف ، وسط الجموع الصاخبة ، وخلال الكتل الزاحفة ، قاصدين عرفات ، متجردين من الملابس إلا من إزار ورداء أبيضين يتساوى فيهما الغني ذو المال الوافر والجاه العريض بالفقير والمسكين ؛ لنتذكر جميعًا ذلك الكفن الذي يلُفّنا عند وداعنا الأخير. إن هذا الزحام المائج يذكرنا كذلك بيوم الحشر وما فيه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . في عرفات تذوب الطبقية ، وتتلاشى التفرقة ، وتتجسد المساواة الحقة ، المساواة الصادقة ، المساواة الخالية من كل تكلف أو خداع ، المساواة التي فُقدت في العالم المتحضر ، وضاعت في دنيا المدنية الزائفة .

عند الصعود إلى عرفات يتسابق الحجاج ويتنافسون . يتسابقون إلى ربهم ، ويتنافسون في كسب رضاه . في عرفات ينسى المؤمن الدنيا وما فيها من متاع ، ويهجر الحياة بما تحويه من ترف وملذات ، لا يهمه لفح الهجير ، أو وهج الشمس ، ولا يمنعه شدة برد ، أو هطول مطر ؛ لأنه خرج من نطاق البشرية إلى رحاب الروحانية ؛ لأنه انسلخ من المادية إلى عالم المعنويات ؛ لأنه تجرد من تربته ليصعد إلى الملأ الأعلى من الملائكة ، وينتظم في صفوف الأبرار .

في عرفات لا يقع البصر في مكان ، إلا ويرى عابدًا يتبتل ، ومذنبًا يتوجع ، ومؤمنًا يخشع ، ومصليًا يركع ، وعاصيًا ذا عين تدمع ، فكأنه بحيرة قدسية تغسل الآثام ، وتمسح الخطايا ، وتمحو السيئات .

ولم لا أيها الإخوة والأخوات ؟! والله تعالى يتجلى لأهل الموقف بالرحمة والغفران ، ويباهي بهم ملائكة الأرض والسماء ، ويشهدهم أنه قد غفر لهؤلاء الذين أتوا من كل فج ضاحين غبرا شعثا ! لم لا ، وهذا اليوم أفضل الأيام على الإطلاق ! لم لا وإبليس ما رؤي في يوم أغيظ ولا أحقر ولا أدحر منه في هذا اليوم ، إذ يرى ما ينزل الله على العباد من رحمات !

لك الله يا عرفات ! يومك يوم نور ، ويوم رحمة . يوم بركة ، ويوم عطاء . يوم تبتسم فيه الآفاق ، وتشرق الأكوان ، ويعم الغفران ، فيندحر الشيطان .

إذا تذكرت ذلك أخي الحاج الكريم فألزِمْ قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل ، لتحشرَ في زمرة الفائزين المرحومين ، وحقِّق رجاءك بحسن الظن بالله ؛ فالموقف موقف إجابة ؛ ولذلك قيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له . وكأن اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج ، وغاية مقصودة ، فلا طريق إلى استدرار رحمة الله سبحانه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد .

وإن من أهم ما ينبغي أن ينشغل به المسلم في هذا اليوم المبارك الذكر وأفضله قول ( لا إله إلا الله ) وقراءة القرآن ، والدعاء ، فأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة ، وليكن لإخوانك المسلمين ولأمتك المحَاربة نصيب وافر من دعواتك المخلصة أن يكشف الله غمتها ، وأن يفرج كربتها ، وأن يرفع لواءها ، ويعيد لها عزها ومجدها ، وأن يكبت عدوها وخصومها ، وليكن لدينك نصيب عظيم من دعائك أن يظهره الله على الدين كله ، وأن يمكِّن له في قلوب العباد وأقطار البلاد ، وأن يعطف عليه قلوب المسلمين ويجمع عليه قلوب ولاة الأمور ، ويجعل لأهله وأنصاره السيادة والتمكين .

كأني بكم أيها الإخوة الحجاج تسألون عرفات عن هذه الأمجاد التي اعتلت ذروته ، وتلك الكتائب الأولى التي عاشت على سطحه فترة من الزمن ، وكأني بالجبل الرحيب يقول : كانوا أبطالاً أفذاذًا وجنودًا بواسل . كانوا أنقياء أطهارًا ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعًا سجدًا ، يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا ،سيماهم في وجوههم من أثر السجود . فرضي الله عنهم ورضوا عنه ، وذلك هو الفوز العظيم .

كأني بالجبل الأشم يذكّرنا أيها الأحبة بالقائد الأعظم ، بالزعيم الأكبر ، بالمرشد الملهم ، محمد بن عبد الله وهو يلقي أسمى خطاب في الوجود ، وأخلد حديث على صفحات الزمان ، وأظهر دستور عرفه التاريخ في حجة الوداع . يرسم للبشرية طريق خلاصها ، وسبيل مجدها ، ودروب سعادتها ، ويسكب في أذن الدنيا أصدق قانون ، فيه صلاح المجتمع ، وكرامة الإنسان ، ويتلو عليهم قول الله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)

نسأل الله أن يجعلنا في يوم عرفة من المغفور لهم أجمعين .

ثامناً : رمي الجمار :

اعلم أيها الحاج الكريم أن رمي الجمار المقصود به هو الانقياد للأمر؛ إظهارًا للرق والعبودية ، وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه ، ثم التشبه بإبراهيم عليه السلام ، حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ، فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله . فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه ، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ؟ فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان ، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به ؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان . واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان ، وتقصم به ظهره ؛ إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيمًا له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه .

إنه تعويد وتدريب للنفس على ضرورة الاستجابة لأمر الله كائنا ما كان الأمر ، ظهرت حكمته لنا أو خفيت ، بانت علته أو غمضت ، فإن تكليف العقل هو الامتثال الكامل للحق جل وعلا من طلب حكمة ولا استظهار علة .

نسأل الله أن يرزقنا حسن الانقياد له ، وأن يجعلنا ممن اتبع ملة إبراهيم حنيفا .

تاسعاً : ذبح الهدي:

اعلم أن ذبح الهدي من أعظم القربات التي يتقرب بها الحاج إلى الله تعالى ، فإنه سبحانه يعتق الله بكل جزء منه جزءاً منك من النار ، فكلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم .

نسأل الله الكريم أن يتقبل أعمالنا ، وأن يعتق رقابنا من النار .

أحبتي الكرام ، إذا كان العرب قد حجوا إلى بيت الله العتيق في جاهليتهم ، فإن الإسلام قد شدد في طلب الحج حتى اعتبره من الجهاد ، بل اعتبره أفضل الجهاد ؛ فلقد قال الرسول ( أفضل الجهاد حج مبرور ) ، واعتبره نسك الإسلام الأكبر ؛ فقد جعل الله تعالى لكل أمة نسكا ، وجعل الحج نسك الإسلام  ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

ولقد استمر الناس على القيام بحق هذا النسك العظيم ، ينفرون إليه خفافًا وثقالاً ورجالاً وركبانًا ، تمخر بهم السفن في عباب البحار ، ويطوون الأرض طيًّا شوقًا إلى ربهم ، وتلبية لندائه ، حتى تعج بهم الأرض المقدسة ؛ وبيت الله ، والمشعر الحرام . وها أنتم أيها الإخوة و الأخوات قد يسَّر الله لكم أداء هذا النسك العظيم ، فاحرصوا على أدائه على الوجه الأكمل ، وإياكم والرفث و الفسوق ، عسى الله أن يجعلنا وإياكم من المقبولين الفائزين .

عاشراً : طواف الوداع : ها أنتم أيها الحجاج الكرام قد أكملتم مناسككم وأديتم فريضة الحج ، وآن لكم أن ترجعوا إلى بلادكم وأن تعودوا إلى أوطانكم مغفورة ذنوبكم مقبولة أعمالكم بإذن الله ، فلا يفوتنكم أن تودعوا البيت العتيق ، فقد أوجب الله تعالى على الحاج أن يكون آخر عهده بالبلد الحرام أن يطوف بالبيت العتيق ، لتظل أيها الحاج الكريم مرتبطاً بالبيت ، متعلقاً برب البيت ، مستشعراً في رحلة عودتك تلك الأجواء الروحانية العالية السامية الدافئة .

وإن مما ينبغي أن يتفطن له الحاج الكريم ألا يدفعه الاستعجال في قضاء طواف الوداع إلى إيذاء الطائفين بالدفع بالأيدي والمناكب ، لتختم العمل بخير كما بدأته بخير ، فالأعمال بخواتيمها .

ولعل من علامات قبول الحج أن يعود الحاج وقد ازداد زهدًا في الدنيا ، وإقبالاً على الآخرة ، ويعود أرقّ فؤادًا وأزكى نفسًا ، وأخشى قلبًا ، يعود وقد أدرك أنه هاجر بحجة إلى الله تبارك وتعالي، والله يتولى توفيقنا وإياكم لما يحب ويرضى .

من فاته الحج :

أما أنت أيها الأخ الكريم الذي لم يتيسر له الحج مع الطائفين العاكفين الركع السجود فلا تحرم نفسك من التشبه بالحجيج من خلال بعض الطاعات التي دلنا عليها رسول الله صلي الله تعالي عليه وآله وصحبه وسلم في هذه الأيام المباركة وهي :

1- نية التضحية : فمتى كنتَ ميسور الحال واجداً سعةً لأن تضحي فلا تحرم نفسك من هذه الشعيرة المباركة فقد قال رسول الله ( ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند الله من إهراق الدم)

وقال ( ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وفرثها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة ، فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة ) رواهما ابن عبد البر في كتاب التمهيد .

وقال ( ما عمل آدمي عملاً يوم النحر أحبَّ إلى الله من إهراق الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض فطيبوا بها نفسا ) . ( أخرجه الترمذي وحسّنه والحاكم وصححه).

ولما كانت هذه الأضحيةُ قربةً إلى الله تعالى فإنه ينبغي لك أن تختار لها أفضلَ الأضاحي وأسمنَها وأغلاها وأنفسَها ، وهو ما فعله النبيُّ كما في حديث أنس أن النبي كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين ، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صِفَاحِهما . وفي لفظ : ذبحهما بيده .(متفق عليه). وفي لفظ : سمينين ، وفي لفظ : ثمينين بالمثلثة بدل السين ، وفي لفظ : موجوءين .

وإذا نويتَ ذلك أيها الحبيب فإنه يستحب لك أن لا تأخذ من أظفارك وشعرك شيئاً إذا دخلت عشر الحجة فقد قال رسول الله ( إذا دخلت العشر فأراد أحدكم أن يضحى فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئاً ).

2- الإكثار من العمل الصالح في العشر الأول من ذي الحجة : فهذه الأيام أعظم الأيام عند الله تعالى ، وقد أقسم الله تعالى بلياليها في قوله تعالى  والفجر وليال عشر  ، وفي بيان أهمية العمل الصالح في هذه الأيام قال رسول الله ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ) قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ( ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).

وهذا العمل الصالح في هذه الأيام يشمل صيام نهارها ، وقيام لياليها ، وكثرة الإنفاق فيها ، والاجتهاد في الذكر والتسبيح والتكبير ، والمسارعة إلى الخيرات ، وصلة الأرحام ، وسائر الطاعات والقربات .

أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى طاعته ، وأن يبلغنا وإياكم منازل الصالحين من عباده ، وأن يختم لنا ولكم بخير وعافية .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...والحمد لله رب العالمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشريف نور
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 727
نقاط : 2965
تاريخ التسجيل : 15/04/2011
العمر : 54

مُساهمةموضوع: رد: روحانيات الحـــــــــــــــج   الجمعة نوفمبر 04, 2011 2:38 pm

بارك الله فيك اخى وحبيبى فى الله الشيخ حيدر رمضان

_________________
لا اله الا الله[i النفس تبكي على الدنيا وقد علمت إن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكـنها إلا التي كان فبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسـكنـــــه وإن بناها بشر خـــاب بانيها ...أين الملــوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
روحانيات الحـــــــــــــــج
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
النور الربانى والسر الصمدانى :: المنتدى الاسلامى-
انتقل الى: